خاص – تداعيات الأزمة الإقتصادية على العمل البلدي والتنمية المحلية (دراسة للأمم المتحدة وخبراء)

برز خلال الأسبوع الماضي إطلاق دراسة تحت عنوان “تأثير الأزمة الإقتصادية والمالية على المستوى المحلي وتداعياتها على اتحادات البلديات والبلديات” التي أجراها مشروع التمكين البلدي بالشراكة مع جمعية المدن المتحدة في لبنان/المكتب التقني للبلديات اللبنانية. ومشروع التمكين البلدي هو عبارة عن مشروع مشترك بين برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (UNDP) وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) يجري تنفيذه بالشراكة مع وزارة الداخلية والبلديات وبتمويل من الإتحاد الأوروبي، من خلال الصندوق الإئتماني الإقليمي للإتحاد الأوروبي إستجابة للأزمة السورية، صندوق “مداد”.
وتضمنت الدراسة نتائج تقييم التنمية الإقتصادية المحلية في اتحاد بلديات الفيحاء، واتحاد بلديات المتن الشمالي الساحلي والأوسط، واتحاد بلديات قضاء صور. والأهم أن هذه الدراسة تعتبر الأولى من نوعها والوحيدة حتى تاريخه، حيث سلّطت الضوء على واقع عمل الشركات والقطاع الخاص في الأزمة، وحذّرت من أزمات وشيكة خطرة، كما قدّمت للبلديات خارطة طريق لتنفيذ المشاريع وطريقة جديدة للعمل عبر الإستقصاءات والتفاعل مع أفراد المجتمع المحلي.
رئيس جمعية المدن المتحدة في لبنان
د. بشير عضيمي

ووفقاً لرئيس جمعية المدن المتحدة في لبنان د. بشير عضيمي “تكمن أهمية الدراسة في أنها أول دراسة تعد بعد الأزمة الإقتصادية وتتعلق بإتحاد البلديات، وهي تفتح باباً جديداً لإتحاد البلديات والبلديات للدخول بشكل أكبر في موضوع التنمية الإقتصادية، وذلك بعدما أصبح بين أيديهم معطيات ودراسات وأرقام يمكنهم البناء عليها”.
وإعتبر عضيمي في حديث لموقعنا Leb Economy أن “الأزمة المالية والنقدية أثرت بشكل كبير على التنمية الإقتصادية المحلية إذ أضحت إمكانات البلديات المادية شبه معدومة، لهذا جرى التركيز على النشاطات التي لا تحتاج إلى تمويل كبير”، مشدداً على أن “البلديات قادرة على تقديم الكثير في مجال التنمية الإقتصادية المحلية مهما كانت الإمكانيات المادية ضعيفة، إذ يكفي أن يكون هناك إرادة سياسية وإهتمام بالتنمية الإقتصادية عبر قراءة الأرقام وتقديم إقتراحات للعمل عليها. علماً أن وجود التمويل والإمكانيات دون وجود إرادة سياسية حقيقية يعني فعلياً أن لا مشاريع ستبصر النور”.
وقال عضيمي “من المؤسف، أن وجود مختصين في الشؤون الإجتماعية محصور فقط في عدد من البلديات الكبيرة، فيما لا نجد في أي بلدية في لبنان مختصين بالشؤون الإقتصادية والتنموية. وقد لاحظنا خلال لقاءاتنا مع البلديات حاجة للإهتمام بمقترحات عديدة لا تحتاج إلى تمويل كبير بل إلى بعض الجهود والإرادة السياسية”.
و أضاف “على سبيل المثال تناولت فئة من الشباب خلال أحد اللقاءات الحاجة لتقديم الإرشاد حول سوق العمل، كيفية الدخول إإليه ومتطلباته وتحضير السيرة الذاتية. وهذه أمور سهلة التنفيذ وقد تتم عبر متطوّعين، لكنها في نفس الوقت ذي فاعلية وتساعد بشكل كبير”.
وفي إطار حديثه عن النتائج التي توصّلت إليها الدراسة، كشف عضيمي عن أن “الدراسة أظهرت إرتفاعات كبيرة في مستويات البطالة، إضافة إلى صعوبات كبيرة تواجهها الشركات في تأمين الحد الأدنى من البنى التحتية ومتطلبات العمل من كهرباء ومازوت وماء. أي أن الدراسة سلّطت الضوء بقوة على العبء الثقيل جداً الذي تتحمّله المؤسسات جراء فقدان لبنان للبنى التحتية”.
ولفت إلى أن “الدراسة حذّرت من أزمتين خطيرتين في قطاعي الصحة والتعليم إنطلاقاً من تأثيرهما الكبير على حياة المواطن والمجتمع، فالإنسان إذا لم يتلقَ الطبابة اللازمة قد يفقد حياته. كما إنه اذا إنقطع عن التعليم ولو لفترة قصيرة لأسباب مادية أو أي أسباب أخرى سيخسر مستقبله”.
وأشار عضيمي الى ان “الدراسة خرجت بتوصيات كثيرة متعلّقة بإتحاد البلديات والدولة. لكن اليوم تنفيذ التوصيات المتعلقة بالدولة قد يواجه صعوبة، علماً إنه عند لقاء المسؤولين اللبنانيين خلال إعداد الدراسة لمسنا توجهاً جدياً للمساعدة والمساهمة في التخفيف من ضغط المركزية”، لافتاً الى أن “النقطة الأهم تبقى في إيمان إتحادات البلديات بأهمية دورها وعملها وأن يكون لديهم همّة للعمل ونيّة بعدم الإستسلام، إذ أن الإستسلام لن يودي بنا إلى أي مكان”.

وقال عضيمي “عند الحديث عن العمل البلدي، لا بد من الإشارة الى ان الأشخاص المنتخبين وفي كثير من الأحيان لا يعيرون إنتباهاً إلى أهمية دورهم التنموي بشكل كبير، خصوصاً أن الوصول الى مجالس البلديات في لبنان لا يزال وفقاً للأعراف والحسابات العائلية”، مؤكداً على “ضرورة كسر هذا النمط والتعاطي مع الإستحقاق البلدي بشكل أفضل لما للبلدية من دور تنموي يجب على كافة الأعضاء ان يكونوا على إطلاع به، فلغاية اليوم هناك الكثير من البلديات تعاني في سنينها الأولى من شلل وذلك لعدم دراية المنتخبين بكيفية العمل البلدي وآليته والقانون الذي يحكمه”.
وكشف عن أن “جمعية المدن المتحدة تعُد برنامجاً وطنياً للتدريب البلدي، بحيث يكون هناك تدريب إجباري يخضع له أي شخص يريد الوصول الى المجلس البلدي، وهذا التدريب يطلعهم على أهمية العمل البلدي والمراسيم والقوانين والعمل التنموي ودور البلدية”، مشيراً الى “اننا نلحظ وجود جهل بأهمية العمل البلدي أو التغاضي عنه في أعلى المستويات من الدولة اللبنانية، إذ تقوم بعض الوزارات بإعداد خطط إقتصادية وطنية لا تلحظ دور البلديات، ما يؤكد ضرورة طرح اللامركزية التقنية حيث يتم بموجبها إيلاء البلديات تنفيذ خطط ومهام معينة لا تُناط بها حالياً بسبب المركزية الفاقعة التي يعاني منها لبنان”.
وفي رد على سؤال، أكد عضيمي أن “دور جمعية المدن في إطار الدراسة إنتهى، لكنها ستبقى بحكم الدور الذي تمارسه على الصعيد البلدي منذ 25 عاماً على تواصل مع إتحادات البلديات لا سيما إتحاد البلديات قضاء صور والفيحاء الذين لديهما شراكات مع بلديات في فرنسا، ويستطيعان اليوم الإستفادة من هذه الدراسة الموجودة باللغتين بالعربية والإنكليزية ووضعها بين أيدي شركائهما”.
الخبير في الحوكمة ليون تلفيزيان

بدوره، كشف الخبير في الحوكمة ليون تلفيزيان في حديث لموقعنا Leb Economy أن “الدراسة إستغرقت وقتاً طويلاً تعدّى فترة العام بسبب جائحة كورونا التي أبطأت سير العمل القائم على عناصر المقابلات وإستطلاعات الرأي، وهذه عناصر في أساس المعلومات التي سيبنى التحليل والتقييم عليها”.
واعتبر تلفيزيان أنه “بعد الدراسة أصبح لدى إتحاد البلديات، ولأول مرة، مستند بين يديها يكشف عن المعطيات على الأرض بشكل دقيق والمعطيات القانونية حيث أضحت البلديات على معرفة دقيقة في القوانين التي تحكم عملها وأدائها خصوصاً انه تبيّن وجود الكثير من الأشخاص في قلب إتحاد البلديات ليس لديهم إطلاع واسع على القوانين والتشريعات التي تحكم الأداء البلدي”.
وأوضح انه “بفضل الدراسة، أصبحت البلديات قادرة على رسم سياسات أفضل تساعدها على القيام بشراكة أفضل وتشاركية أكبر لكي تستطيع أن تشبك مع المجتمع المدني والجامعات والمراكز البحثية والقطاعات الإنتاجية الموجودة على الأرض”، مؤكداً ان “الدراسة باتت تشكل أداة للبلديات لتكون فاعلة بشكل اكبر في ما يتعلّق بالتنمية الإقتصادية والمحلية.”
وفي رد على سؤال حول الإمكانيات التي تملكها بلديات لبنان للأخذ بتوصيات الدراسة، أوضح تلفيزيان ان “هناك مسائل كثيرة تحكم العمل البلدي وفي طليعتها القوانين التي تعود إلى عام 1977 وعائدات الصندوق المستقل للبلديات وعدم إنتظامها وضعف الواردات لاسيما خلال الأزمة، إضافة لعدم قدرة البلديات على التوظيف والعمليات الإدارية التي تقيّد عملها نظراً لحاجتها الدائمة للأخذ بتوصيات الجهات الوصية عليها إن كان وزارة الداخلية أو المحافظ أو القائمقام”.
ورأى تلفيزيان إنه “من الضروري في هذه الأزمة إعادة التنظيم الإداري في البلديات، خاصة أن تركيبة الإتحادات تحتاج لإعادة نظر كما المساهمات والتنظيم والجباية”.
وقال “صحيح أنّ عمل إتحاد البلديات قائم على خدمة المجتمع المحلّي لكن تحكمه أسس سياسية. علماً أن الإتحاد البلدي قادر ومهيّأ للعب دور على الصعيد المحلي بشكل أفضل لأنه أقرب إلى إشكاليات الناس وحاجاتهم وقادر على فهمها بشكل أفضل، إذ بحكم تواجده على الأرض هو أقرب للمشاكل التي يعانيها الناس على صعيد الخدمات وغيرها، وهو على دراية كبيرة بالمجتمع المحلي أكثر من المستوى الوطني”.
وشدد تلفيزيان على أن “الدراسة أظهرت أن واقع التنمية بالمناطق اللبنانية غير مفصول عن واقع التنمية بشكل عام على المستوى الوطني المحكوم بنظام إقتصادي أثبت فشله، إذ يسيطر على المستوى الوطني نظام إقتصادي نيوليبرالي قائم على الإقتصاد الريعي بشكل أساسي. وهذا الأمر أيضاً تُرجم على المستوى المحلي حيث إنتقلنا في السنوات الـ20 و30 سنة الماضية من إقتصاد منتج إلى إقتصاد ريعي، وهذا ما لاحظناه على الأرض خلال الدراسة”.

وكشف عن أن “الدراسة بيّنت عن ان أهم مصدر للتنمية هو القطاع العقاري، وهذا الأمر كان ظاهراً جداً في إتحاد بلديات صور حيث الأراضي والحيازات تذهب بإتجاه التطوير العقاري، كما لاحظنا أنه تم إستبدال مساحات الإنتاج الزراعي بالتطوير العقاري ما جعل القطاع الزراعي في موضع ثانوي، في حين أن هناك إمكانية لتطوير الزراعة والإنتقال من الزراعة المحلية إلى الزراعة الصناعية، لكن في الواقع تَبَيَّنَ أنه ليس هناك نية بذلك، في ظل وجود تركيبة ونظام إقتصادي بحاجة إلى إعادة تأهيل ليسمح بالتحوّل من إقتصاد ريعي إلى إقتصاد منتج”.
وقال تلفيزيان “لاحظنا الأمر نفسه على المستوى الصناعي، حيث نجد في منطقة المتن صناعات صغيرة غير مدعومة، وهذا الأمر أيضاً يعود إلى السياسات المركزية التي لا تشجّع الصناعات الصغيرة بل تقوم على إعتبارات أخرى لها علاقة بنظام الإمتيازات القائم في لبنان بشكل عام”.
وفي رد على سؤال حول ما لحظته الدراسة عن مستوى الحوكمة في لبنان، رأى تلفيزيان أن “غياب الحوكمة أوصل لبنان إلى الأزمة التي يشهدها حالياً، حيث هناك نظام نيوليبرالي إقتصادي متعلّق بنظام الطوائف، وهما يلازمان بعضهما بعض.”
ولفت إلى ان “الحوكمة تعبّر عن قدرة السلطات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية على تسيير أمور مجتمع معين إن كان على المستوى المحلي أو الوطني أو المؤسساتي”، معتبراً أن “الحوكمة هي العقبة الأساسية للأزمة الموجودين فيها حالياً، حيث يعمل كل شخص على حدة وسط نظام طائفي توافقي، الأمر الذي حوّل كل وزارة إلى جمهورية منفردة لا يحتاج فيها الوزير للحوكمة”.



